الرئيسية / منوعات / القصه الحقيقيه لاستشهاد الحسين في ذكري استشهاده عاشوراء

القصه الحقيقيه لاستشهاد الحسين في ذكري استشهاده عاشوراء

استشهاد الحسين… القصة الحقيقية
هو حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وسبطه وريحانته في الدنيا، وابن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وأخو خامس الخلفاء الراشدين الحسن رضي الله عنه، وهو مع أخيه سيدا شباب أهل الجنة، وهو أحد فرسان الإسلام الذين شاركوا في الفتوحات الإسلامية، وأحد نبلاء العرب القرشيين، ويرجع نسبه إلى بني هشام أكرم العرب نسبًا، وأعظمهم حسبًا، وهو أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم من ناحية البنية الجسدية، بينما كان أخوه الحسن رضي الله عنه أشبه الناس وجهًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الشهيد البطل الحسين رضي الله عنه.
ولعل حادثة استشهاد الحسين من أهم الحوادث التي مرت على تاريخ الأمة، ليس فقط لكونها تمثل جريمة كبيرة قُتل فيها ظلمًا حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أيضًا لكونها أكبر قضية تم المتاجرة بها على مدى مئات السنين، لدوافع مذهبية في بعض الأحيان، ودوافع سياسية في أغلب الأحيان، حتى أن بعض العباسيين الذين وظفوا هذه القضية في إسقاط حكم بني أمية قاموا بعد ذلك في قتال الطالبيين من أحفاد الحسن والحسين الذين كانوا حلفاء لهم في إسقاط الحكم الأموي، فصارت بذلك قضية الحسين من أكثر القضايا التي يستخدمها غزاة التاريخ لتفريق هذه الأمة، وتشويه تاريخها بشكل كلي، واستدراج الشباب المسلم بالعاطفة ليقعوا في نهاية الأمر في الطعن في ثوابت هذا الدين، مستغلين عدم معرفة الكثير منهم بحقيقة تلك الحادثة الأليمة، لذلك سنحاول في هذا الكتاب سرد القصة الحقيقية لاستشهاد سيد شباب أهل الجنة الحسين رضي الله عنه، ليس فقط لكي نفهم أبعادها التاريخية المهمة، ولكن أيضًا لكي ندافع عن عظيمنا البطل الحسين رضي الله عنه في وجه غزاة التاريخ.
وقصة استشهاد الحسين رضي الله عنه مرتبطة بمجريات الأمور التي سبقتها، فبعد الفتنة التي حدثت بين المسلمين بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، ومقتل كثير من المسلمين بسببها، توحدت كلمة المسلمين مرة ثانية بعدما تنازل خامس الخلفاء الراشدين أمير المؤمنين الحسن رضي الله عنه عن الخلافة لصالح معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، لتعود كلمة المسلمين واحدة من جديد، وتعود حركة نشر الإسلام في أرجاء العالم من جديد، ولأول مرة في تاريخ الصراع بين المسلمين وإمبراطورية الروم بعث خليفة المسلمين بجيش كبير لغزو عاصمة الروم القسطنطينية، وبدأت مظاهر الدولة الإسلامية بالبروز بشكل كبير على مسرح الأحداث، وفي أثناء ذلك رشح الخليفة معاوية بن سفيان ابنه يزيد بن معاوية لولاية العهد، فبايعه جمهور من بقي من الصحابة والتابعين، ولم يمتنع عن بيعته سوى عدة أشخاص هم: عبد الله بن عمر، عبد الله بن عباس، الحسين بن علي، عبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، وعندما حضرت معاوية رضي الله عنه الوفاة، بعث بوصية إلى ابنه يزيد يحثه فيها بالدرجة الأولى على حفظ الأمان في بلاد المسلمين، وقد روى ما جاء في تلك الوصية المؤرخ الإسلامي العظيم الحافظ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية، حيث جاء في تلك الرواية أن معاوية أوصى خليفته يزيد وقال له: واعرف شرف أهل المدينة ومكة فإنهم أصلك وعشيرتك، واحفظ لأهل الشام شرفهم، فإنهم أنصارك وحماتك وجندك الذين بهم تصول وتنتصر على أعدائك، وتصل إلى أهل طاعتك.
وجاء في تلك الوصية أيضًا وفقًا لرواية ابن كثير: أن معاوية أوصى رجلين أن يبلغا السلام ليزيد، وأن يقولا له: توصى بأهل الحجاز، وإن سأله أهل العراق في كل يوم أن يعزل عنهم عاملاً ويولي عليهم عاملًا فليفعل، فعزل واحد أحب إليك من أن يسل عليك مائة ألف سيف، وأن يتوصى بأهل الشام، وأن يجعلهم أنصاره، وأن يعرف لهم حقهم.
وأضاف معاوية في وصيته ليزيد: “ولست أخاف عليك من قريش سوى ثلاثة، الحسين، وابن عمر، وابن الزبير، فأما ابن عمر فقد وقدته العبادة، وأما الحسين فرجل ضعيف وأرجو أن يكفيكه الله تعالى بمن قتل أباه وخذل أخاه، وإن له رحمًا ماسة وحقًا عظيمًا، وقرابةً من محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه، فإن قدرت عليه فاصفح عنه فإني لو صاحبته عفوت عنه”.
وفعلًا… حث أهل العراق الحسين بالخروج إليهم في زمن معاوية رضي الله عنه، ولكن الحسين رضي الله عنه رفض أن ينقض بيعته لمعاوية، ولكن بعد وفاة معاوية بعث أهل الكوفة بمئات الرسائل إلى الحسين يخبرونه بها بأن أهل العراق قد بايعوه خليفة للمسلمين، فعزم الحسين إلى المسير إلى العراق، فبعث يزيد بن معاوية بعبيد الله بن زياد لكي يمنع الحسين من دخول العراق، ولم يأمر بقتله، ولما علم الصحابة والتابعون بعزم الحسين رضي الله عنه على التحرك حذروه من خطورة خروجه إلى العراق، فلم يستمع لنصائحهم، ولكنه في نفس الوقت لم يكن مطمئنًا من وفاء شيعته في الكوفة له، فقرر أن يبعث بابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليتأكد من صدق القوم، وما أن علم أهل الكوفة بمقدم مسلم رسول الحسين حتى أكدوا له بيعتهم للحسين كخليفة للمسلمين، فبعث مسلم إلى الحسين يطمئنه بوفاء شيعته في العراق، ولكن بعد أن بعث مسلم بن عقيل بتلك الرسالة إلى الحسين وصل أمير الكوفة الجديد عبيد الله بن زياد، فحاصر مكان إقامة مسلم بن عقيل الذي كان حوله 4 آلاف مؤيد من أهل الكوفة وقت الظهيرة، فخوفهم عبيد الله بن زياد بالقتال، واشترى ذمم بعضهم، فلم تغب شمس ذلك اليوم حتى انفض كل هؤلاء المؤيدين من حوله، ولم يبق من هؤلاء الآلاف الأربعة وقت المغرب أي أحد من أهل الكوفة ليدافع عن مسلم بن عقيل، فقبض عليه أمير الكوفة، وحكم عليه بالقتل، بعد أن أدرك مسلم بن عقيل أن القوم خانوه وخانوا الحسين رضي الله عنه، فطلب من قاتليه أن يبعثوا برسالة إلى الحسين قبل أن يصل إلى العراق، وهذا نص تلك الرسالة: “ارجع بأهلك، ولا يغرنك أهل الكوفة، فإن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني، وليس لكاذب رأي”. وقتل مسلم بن عقيل، ولكن الحسين للأسف لم يكن يعلم بما حصل له من خيانة، فتحرك إلى العراق قبل وصول رسالة التحذير إليه، ووصلت أخبار ما حصل لمسلم بن عقيل متأخرة للحسين، فهم الحسين أن يرجع، فكلم أبناء مسلم بن عقيل، فقالوا: لا والله لا نرجع حتى نأخذ بثأر أبينا، فنزل على رأيهم، وبعد أن علم عبيد الله بن زياد بخروج الحسين أمر الحر بن يزيد التميمي أن يخرج بألف رجل مقدمة ليلقى الحسين في الطريق، فلقي الحسين قريبا من القادسية، فقال له الحر: إلى أين يا ابن بنت رسول الله؟! فقال الحسين: إلى العراق. قال الحر: فإني آمرك أن ترجع وأن لا يبتليني الله بك، ارجع من حيث أتيت أو اذهب إلى الشام إلى حيث يزيد لا تقدم إلى الكوفة. فأبى الحسين ذلك، ثم جعل الحسين يسير جهة العراق، وصار الحر بن يزيد يعاكسه ويمنعه. فقال له الحسين: ابتعد عني ثكلتك أمك. فقال الحر بن يزيد: والله لو قالها غيرك من العرب لاقتصصت منه ومن أمه، ولكن ماذا أقول وأمك سيدة نساء العالمين؟! فوقف الحسين في مكان يقال له “كربلاء”، فسأل ما هذه؟ قالوا: كربلاء. فقال: “كرب وبلاء”. ولـما وصل جيش عمر بن سعد وعدده أربعة آلاف، كلم الحسين وأمره أن يسلم نفسه وأن يذهب معه إلى العراق حيث عبيد الله بن زياد، فأبى الحسين ذلك. ولكن لـما رأى الحسين رضي الله عنه أن الأمر أصبح خطيرًا، قال لعمر بن سعد: إني أخيرك بين ثلاثة أمور فاختر منها ما شئت. قال: وما هي؟ فقال الحسين: أن تدعني أرجع، أو أذهب إلى ثغر من ثغور الـمسلمين، أو أذهب إلى يزيد حتى أضع يدي في يده بالشام. ولكن طلب الحسين جوبه بالرفض، وأصروا في نهاية الأمر أن يسلم الحسين نفسه لعبيد الله بن زياد، وأن يرضى بأن يحكم فيه عبيد الله بن زياد بما يريد، فأبى البطل الإسلامي العظيم الحسين بن علي أن يحدد مصيره مثل هؤلاء، ولم يكن الهاشميون أصلًا يعرفون معنى الأسر حتى قبل البعثة النبوية، فقال الحسين: “لا والله لا أنزل على حكم عبيد الله بن زياد أبدا”. وكان عدد الذين مع الحسين اثنين وسبعين فارسًا، وجيش الكوفة خمسة آلاف، ولـما تواقف الفريقان قال الحسين لجيش ابن زياد: راجعوا أنفسكم وحاسبوها، هل يصلح لكم قتال مثلي؟ وأنا ابن بنت نبيكم، وليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي ولأخي: “هذان سيداشباب أهل الجنة”، وصار يحثهم على ترك أمر عبيد الله بن زياد والانضمام إليه فانضم للحسين منهم ثلاثون، فيهم الحر بن يزيد التميمي الذي كان قائد مقدمة جيش عبيد الله بن زياد، فقيل للحر بن يزيد: أنت جئت معنا أمير الـمقدمة والآن تذهب إلى الحسين؟! فقال الحر بن يزيد: ويحكم! والله إني أخير نفسي بين الـجنة والنار، والله لا أختار على الجنة ولو قطعت وأحرقت. بعد ذلك صلى الحسين الظهر والعصر من يوم الخميس، صلى بالفريقين بجيش عبيد الله بن زياد وبالذين معه، وكان قال لهم: منكم إمام ومنا إمام. قالوا: لا، بل نصلي خلفك، فصلوا خلف الحسين الظهر والعصر، فلـما قرب وقت الـمغرب تقدموا بخيولهم نحو الحسين وكان الحسين محتبيًا بسيفه فلـما رآهم وكان قد نام قليلا قال: ما هذا؟! قالوا: إنهم تقدموا فقال: اذهبوا إليهم فكلموهم وقولوا لهم ماذا يريدون؟ فذهب عشرون فارسًا منهم العباس بن علي بن أبي طالب أخو الحسين فكلموهم وسألوهم، قالوا: إما أن ينزل على حكم عبيد الله بن زياد وإما أن يقاتل. قالوا: حتى نخبر أبا عبد الله، فرجعوا إلى الحسين رضي الله عنه وأخبروه، فقال: قولوا لهم: أمهلونا هذه الليلة وغدًا نخبركم حتى أصلي لربي فإني أحب أن أصلي لربي تبارك وتعالى، فبات ليلته تلك يصلي لله تبارك وتعالى ويستغفره ويدعو الله تبارك وتعالى هو ومن معه رضي الله عنهم أجمعين. وفي صباح يوم الجمعة شب القتال بين الفريقين لـما رفض الحسين أن يستأسر لعبيد الله بن زياد، وكانت الكفتان غير متكافئتين، فرأى أصحاب الحسين أنهم لا طاقة لهم بهذا الجيش، فصار همهم الوحيد الـموت بين يدي الحسين بن علي رضي الله عنهما، فأصبحوا يموتون بين يدي الحسين رضي الله عنه الواحد تلو الآخر، حتى فنوا جميعًا ولم يبق منهم أحد إلا الحسين بن علي رضي الله عنه، وولده علي بن الحسين كان مريضًا. وبقي الحسين بعد ذلك نهارًا طويلًا، لا يقدم عليه أحد حتى يرجع لا يريد أن يبتلى بقتله رضي الله عنه، واستمر هذا الأمر حتى جاء أحد المجرمين واسمه شمر بن ذي الجوشن، فصاح بالناس ويحكم ثكلتكم أمهاتكم أحيطوا به واقتلوه، فجاءوا وحاصروا الحسين بن علي، فصار يجول بينهم بالسيف رضي الله عنه حتى قتل منهم من قتل، وكان كالسبع، ولكن الكثرة تغلب الشجاعة، فصاح بهم شمر: ويحكم ماذا تنتظرون؟! أقدموا! فتقدموا إلى الحسين فقتلوه رضي الله عنه، والذي باشر قتل الحسين مجرم اسمه سنان بن أنس النخعي، وقام بحز رأسه رضي الله عنه وقيل: شمر، قبحهما الله.
رحم الله البطل العظيم الحسين بن علي رضي الله عنهما
ولكن… ما هي أبعاد تلك الحادثة الأليمة؟ وما الموقف الذي ينبغي اتخاذه منها؟
بداية وقبل اتخاذ المواقف وتحديد الأحكام على أي حادثة تاريخية حدثت في أي زمان، ينبغي على من يريد فهم أبعاد تلك الحادثة دراسة جميع الظروف السياسية والاجتماعية في ذلك الزمن، فربما يحكم شخص على أمر ما حدث في مكان بعيد بحكم معين، ولكن عندما يتواجد نفس الشخص في مكان الحدث فربما يغير حكمه وفقًا للظروف التي يراها، فما بالك بحوادث التاريخ التي حدثت بأزمنة وأماكن لم نعش بها أصلًا؟ لذلك أرى أنه ينبغي علينا أولًا فهم بعض الأمور المهمة التي ربما تساعد على اتخاذ حكم فيما جرى، وفي نهاية الأمر فإن كل شخص حر في اتخاذ الحكم الذي يراه مقنعًا له:
الحسين مات شهيدًا مظلومًا: بغض النظر عن أي حجة احتج بها قتلة الحسين رضي الله عنه، فإن الواضح لأي منصف وعاقل بأن الحسين رضي الله عنه مات شهيدًا مظلومًا من قبل هؤلاء القتلة المجرمين، الذين رفضوا عرضه السلمي كما أوضحنا، وأصروا على أسره وإذلاله، وهم يعلمون أن بطلًا هاشميًا شهمًا مثله لا يؤسر، وأن الحسين رضي الله عنه سيفضل الموت عزيزًا واقفًا على العيش ذليلًا خانعًا لمثل هؤلاء الجبناء.
كفر كل من أراد قتل الحسين بسبب أنه حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم: ربما لا نعلم بالتحديد الدوافع الحقيقية لمن قتل الحسين رضي الله عنه وأرضاه، ولكن إذا كان دافع من قتلوه هو الانتقام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الانتقام من أي أحقاد تاريخية ذات صلة بالإسلام أو الرسول صلى الله عليه وسلم، فمثل هؤلاء لا يشك بكفرهم وخلودهم في نار جهنم، وعلى أي حال قتلة الحسين مهما كانت دوافعهم ينطبق عليهم قول شيخ الإسلام ابن تيمية: “من قتل الحسين أو أعان على قتله أو رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا”، ومن حكمة الله وعدله أن كل من شارك في قتل الحسين رضي الله عنه قتل بعد ذلك شر قتلة.
استشهاد الحسين رضي الله عنهما ليس أكبر مصيبة في الإسلام: فبالرغم من عظم حجم هذه المصيبة الأليمة، فقد مرت على الأمة مصائب أعظم منها، فقد قتل أبو الحسين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قبل الخوارج، وقتل قبله عثمان رضي الله عنه من قبل مجموعة من المجرمين، وقتل قبلهم جميعًا الفاروق عمر رضي الله عنه من قبل فارسي مجوسي حاقد، بل وقتل قبلهم أنبياء بطرق وحشية، ومقتل هؤلاء جميعًا كان أعظم مصيبة من مقتل الحسين بن علي رضي الله عنه، ولكن التباكي الكاذب على الحسين رضي الله عنه يهدف إلى المتاجرة بقضيته لمئات السنين بهدف تفريق الأمة وتمزيقها، لأنه يراد به تصوير بأن الغالبية العظمى لهذه الأمة وهم السنة هم من قتل الحسين رضي الله عنه، وهذا ما يبرر لمتطرفي الشيعة ما قاموا به ويقومون به من جرائم في حق الأبرياء من السنة الذين لا علاقة لهم بمقتل الحسين رضي الله عنه، ويحبونه أكثر من أنفسهم، على الرغم من أن أهل الكوفة في ذلك الزمان وكان جلهم من الشيعة هم الذين خانوا الحسين رضي الله عنه كما رأينا، ويتحملون بلا شك المسؤولية الأولى لما جرى لحفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يزيد بن معاوية لم يأمر ولم يرضَ ولم يفرح بمقتل الحسين: لم يثبت في أي رواية تاريخية صحيحة على الإطلاق أن يزيد بن معاوية أمر بقتل الحسين، أو رضي بمقتله، أو أظهر الفرح لذلك، أو قام بسبي نساء أهل البيت من بعده، بل على العكس، فما ثبت عن يزيد هو حرصه على عدم الاعتداء على الحسين، وحزنه الشديد وبكائه عليه بعد استشهاده، وإكرامه لآل بيت الحسين بشكل خاص وآل بيت الرسول بشكل عام قبل وبعد استشهاد الحسين، وهذا ما يفسر العلاقة الطيبة التي كانت بين آل البيت ويزيد أثناء فترة حكمه، وقد ثبت تاريخيًا أن يزيد بكى وحزن عند سماعه بخبر استشهاد الحسين رضي الله عنه، ولم تكن له يد في قتل الحسين رضي الله عنه، فقد أرسل يزيد عبيد الله بن زياد ليمنع وصول الحسين إلى الكوفة، ولم يأمر بقتله، بل الحسين نَفْسُه كان حسن الظن بيزيد ويطمئن له، حتى قال دعوني أذهب إلى يزيد فأضع يدي في يده، وقد قال ابن الصلاح رحمه الله: “لم يصح عندنا أنه أمر بقتله – أي الحسين رضي الله عنه – والمحفوظ أن الآمر بقتاله المفضي إلى قتله، إنما هو عبيد الله بن زياد والي العراق إذ ذاك”. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : “إن يزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل، ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق، ولما بلغ يزيد قتل الحسين أظهر التوجع على ذلك، وظهر البكاء في داره، ولم يَسْبِ لهم حريماً، بل أكرم أهل بيته وأجازهم حتى ردّهم إلى بلادهم، أما الروايات التي في كتب الشيعة أنه أُهين نساء آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهن أُخذن إلى الشام مَسبيَّات، وأُهِنّ هناك، هذا كله كلام باطل، بل كان بنو أمية يعظِّمون بني هاشم، ولذلك لماّ تزوج الحجاج بن يوسف فاطمة بنت عبد الله بن جعفر لم يقبل عبد الملك بن مروان هذا الأمر، وأمر الحجاج أن يعتزلها وأن يطلقها، فهم كانوا يعظّمون بني هاشم، بل لم تُسْبَ هاشميّة قط”. وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: “وليس كل ذلك الجيش كان راضيًا بما وقع من قتله – أي قتل الحسين – بل ولا يزيد بن معاوية رضي بذلك والله أعلم ولا كرهه، والذي يكاد يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه، كما أوصاه أبوه، وكما صرح هو به مخبرًا عن نفسه بذلك، وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو”. وقال الغزالي رحمه الله: “وقد صح إسلام يزيد بن معاوية، وما صح قتله الحسين ولا أمر به ولا رضيه ولا كان حاضرًا حين قتل، ولا يصح ذلك منه ولا يجوز أن يُظن ذلك به، فإن إساءة الظن بالمسلم حرام”. وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن عبد الرحمن بن أبي مذعور قال: “حدثني بعض أهل العلم قال: آخر ما تكلم به يزيد بن معاوية: اللهم لا تؤاخذني بما لم أحبه، ولم أرده، واحكم بيني وبين عبيد الله بن زياد. وكان نقش خاتمه: آمنت بالله العظيم”. وأورد ابن كثير أيضًا في كتابه عن الحافظ أبو القاسم بن عساكر: “حدثنا أبو الفضل محمد بن محمد بن الفضل بن المظفر العبدي قاضي البحرين من لفظه وكتبه لي بخطه قال: رأيت يزيد بن معاوية في النوم ، فقلت له: أنت قتلت الحسين؟ فقال: لا. فقلت له: هل غفر الله لك؟ قال نعم، وأدخلني الجنة. قلت: فالحديث الذي يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى معاوية يحمل يزيد فقال : رجل من أهل الجنة يحمل رجلًا من أهل النار؟ فقال: ليس بصحيح. قال ابن عساكر: وهو كما قال ، فإن يزيد بن معاوية لم يولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ولد بعد العشرين من الهجرة”. وأما ما يؤخذ على يزيد في عدم معاقبته لقتلة الحسين، فإنه ربما كان مخطئًا في ذلك، وإما أنه خشي أن يثور عليه أهل العراق، خاصة أن قتلة الحسين كانت تقف خلفهم قبائل كبيرة، وهو نفس الاجتهاد الذي كان عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في عدم أخذه بالقصاص مباشرة من قتلة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، فالأمور لم تكن بتلك البساطة التي يعتقدها البعض، خاصة في ظل وجود مجتمعات قبلية حديثة عهد بإسلام، ومصالح ومفاسد ينبغي أخذها بعين الاعتبار.
لا يشترط في الحاكم المسلم أن يكون الأفضل من الناحية الدينية: فالقرب من الله شيء، وتولي قيادة دولة شيء آخر، ولكن يشترط فيه أن يكون قادرًا على الحكم وعلى خلفية دينية سليمة على أقل التقدير، فعلى سبيل المثال كان أبو ذر الغفاري رضي الله عنه من السابقين إلى الإسلام ومن أعظم الصحابة، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحرص على عدم تسليمه لمنصب قيادي، ففي الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم قال أبو ذر رضي الله عنه: “قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر، إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأمَّرنّ على اثنين، ولا تَولَّينَّ مال يتيم” رواه مسلم. وفي رواية أخرى “قلت يا رسول الله، ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها”. ومعنى الضعف الوارد في الحديث ليس ضعف البدن، فأبو ذر كان معروفًا بالشجاعة، وإنما هو العجز عن القيام بوظائف الولاية، أو ضعف الرأي كما ذكر ذلك كثير من العلماء، والسياسة وإمارة الناس مسؤولية كبيرة وخطيرة، لذلك حرص الرسول في كثير من المرات على تولية أمراء على صحابة يفوقونهم في الفضل والأسبقية في الإسلام، ولكن الرسول كان يرى فيهم صفات قيادية تؤهلهم للقيادة، فمثلًا ولى عمر بن العاص على جيش به أبو بكر وعمر كبار المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين، والحسن بن علي رضي الله عنه كان أفضل من معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه من ناحية المكانة والفضل، ولكنه بالرغم من ذلك تنازل عن القيادة لمعاوية وقبل أن يبايعه كخليفة للمسلمين، ليس فقط حقنًا للدماء، وإنما لمعرفة الحسن رضي الله عنه بأن معاوية رضي الله عنه كان جديرًا بالملك، لما تتوفر فيه من صفات قيادية ظهرت بشكل واضح أثناء ولايته للشام، وظهرت بشكل أوضح بعد توليه لإمارة المؤمنين، الأمر الذي جعل منه أفضل ملوك المسلمين كما وصفه شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد وصفه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وقال: “ما رأيت بعد رسول الله أسود من معاوية (أي: من السيادة)، قيل: ولا أبو بكر وعمر؟ فقال: كان أبو بكر وعمر خيراً منه، وما رأيت بعد رسول الله أسود من معاوية”. لذلك فإن حكم إمبراطورية كبيرة كالإمبراطورية الإسلامية التي كانت في عهد معاوية يلزمه معرفة كبيرة بأمور الدولة الداخلية والخارجية، ولا يكفي أن يكون الحاكم أفضل دينيًا من الآخرين لكي يتمكن من الحكم، وهناك أمثلة عديدة في الماضي والحاضر لأشخاص على دين وخلق عظيمين تولوا سدة الحكم في بلدانهم وفشلوا فشلًا ذريعًا نتيجة لافتقادهم لصفات القيادة، أو سوء فهمهم للواقع وأمور الحكم المعقدة.
مسؤولية يزيد عن مقتل الحسين ووقعة الحرة: أغلب من ذم يزيد من العلماء لم يطعن في دينه أو خلقه، وإنما ذمه لحدوث أمرين عظيمين في فترة حكمه، وهو استشهاد الحسين رضي الله عنه، وموقعة الحرة، والحقيقة أن وقوع كوارث وفتن في عهد أي حاكم لا يعتبر بالضرورة طعنًا في الحاكم نفسه، وإلا فإنه قد قتل في الفتنة التي حدثت في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الصحابة من هو أفضل من الحسين رضي الله عنه، فقد قتل في تلك الفتنة من قبل جيش علي اثنان من العشرة المبشرين بالجنة وهما الزبير وطلحة رضي الله عنهما، فهل يطعن ذلك في أهلية علي رضي الله عنه بالحكم؟ بالقطع لا، وإنما هي أقدار الله التي يجريها بحكمته، وقد كانت سنوات حكم أمير المؤمنين علي بن طالب سنوات صعبة حدثت بها مقتلة كبيرة بين المسلمين، وهي مع ذلك حدثت دون إرادته، نفس الشيء ينطبق على يزيد بن معاوية، فقد قتل الحسين في كربلاء دون رغبة من يزيد، وبشهادة كبار علماء الأمة حتى ممن لا يحبون يزيد بن معاوية، وأم مسألة قتال أهل المدينة في وقعة الحرة، فإن ما جرى من أهل المدينة كان بكل بساطة انقلابًا على الحكم، فقاموا بطرد سكان المدينة من الأمويين، ونقضوا البيعة التي بايعوها ليزيد لأسباب قد يرونها هم وجيهة، وكان ذلك اجتهادًا منهم في مقابل تِلْكَ النُّصُوصِ، فَقَوْلُ الرسول صلى الله عليه وسلم مقدم على قَوْلِ وفِعْلِ كُلِّ أَحِدٍ حتَّى لوْ كَانَ مِن الصَّحَابَةِ رَضَيَ اللهُ عَنْهُم، وأهل المدينة ليسوا معصومين من الخطأ، فالذين خرجوا على يزيد بن معاوية من أهل المدينة كانوا قد بايعوه في السابق بالخلافة، وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أن يبايع الرجل الرجل ثم يخالف إليه ويقاتله، لما قد يترتب على ذلك من فساد وتفكك للدولة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا رقبة الآخر”، ولم يشترك في خروج أهل المدينة أحد من كبار الصحابة أو أهل البيت، وقد رفض الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ما قام به أهل المدينة من الخروج على الحاكم الذي بايعوه، حيث جمع أبناءه و حشمه وحذرهم من نكث بيعة يزيد، أما أهل بيت النبوة فقد لزموا الطاعة و لم يخرجوا مع أهل المدينة ضد يزيد، قال أبو جعفر الباقر: “لم يخرج أحد من آل أبى طالب و لا من بني عبد المطلب أيام الحرة”، وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يرى أيضًا عدم جواز ما قام به عبد الله بن الزبير في مكة، فقد أورد الذهبي وابن عساكر أن ابن عمر رضي الله عنهما حين سئل عن الفئة الباغية قال: “ابن الزبير بغى على بني أمية فأخرجهم من ديارهم و نكث عهدهم”. فخروج أهل الحرة كان بتأويل، ويزيد إنما قاتلهم لأنه يرى أنه الإمام، وأن من أراد أن يفرق جمع المسلمين فواجب مقاتلته وقتله، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، أما إباحة المدينة ثلاثاً لجند يزيد يعبثون بها يقتلون الرجال ويسبون الذرية وينتهكون الأعراض ، فهذه كلها أكاذيب وروايات لا تصح، فلا يوجد في كتب السنة أو في تلك الكتب التي أُلِّفت في الفتن خاصّة، كالفتن لنعيم بن حمّاد أو الفتن لأبي عمرو الداني أي إشارة لوقوع شيء من انتهاك الأعراض، وكذلك أهم كتاب للطبقات وهو طبقات ابن سعد لم يشر إلى شيء من ذلك في طبقاته، أما القول بأنه استباحها فإنه يحتاج إلى إثبات، وإلا فالأمر مجرد دعوى ، لذلك ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى إنكار ذلك، من أمثال الدكتور نبيه عاقل، والدكتور العرينان، والدكتور العقيلي، ولم تصح الأخبار التي جاءت بفرح يزيد لما أصاب أهل المدينة على الرغم من خروجهم عليه، بل على العكس أصابه الحزن على ما جرى بهم وعمل على جبر خواطرهم، وقد روى المدائني أن أمير المدينة مسلم بن عقبة عندما بعث إلى يزيد بخبر انتصار جيشه في الحرة، قال يزيد: “واقوماه!”، ثم دعا الضحاك بن قيس الفهري فقال له: “ترى ما لقي أهل المدينة فما الذي يجبرهم؟” قال: “الطعام و الأعطية”، فأمر يزيد بحمل الطعام إليهم و أفاض عليهم أعطيته، و قد كان أبوه معاوية كما أوضحنا أوصاه بأهل الحجاز، حيث جاء في وصيته ليزيد: “اعرف شرف أهل المدينة و مكة فإنّهم أصلك و عشيرتك».
الحسين رضي الله عنه لم يخرج ثائرًا: الخديعة التي يريد غزاة التاريخ تصويرها لنا هي أن الحسين خرج على يزيد في ثورة على ظلمه وبطشه، وهذا أمر لم يدعيه الحسين أصلًا فيما صح عنه، وإنما أراد غزاة التاريخ في نشر هذه القضية دغدغة المشاعر الإنسانية النافرة من الظلم بطبيعتها الفطرية، والحقيقة أن الحسين لم يخرج على يزيد، لأنه بالأساس لم يبايعه، ولم يذكر الحسين فيما صح عنه شيئًا عن أخلاق يزيد أو دينه كسبب لعدم مبايعته، ناهيك أن يزيد لم تمض على إمارته سوى أسابيع قليلة قبل تحرك الحسين إلى العراق، وعقليًا فإن هذه الفترة القصيرة غير كافية لظهور مظالم تستوجب ثورة لتغييرها، ولو أن الحسين كان يرى في يزيد ما يشاع عنه من ارتكابه للمحارم وغير ذلك من الأمور الكاذبة التي وردت عنه، لما قال الحسين للمجرمين الذين أرادوا اعتقاله وإذلاله في العراق بأنه يخيرهم بين ثلاث أمور، أوردها الحافظ ابن كثير: “وطلب منهم الحسين إحدى ثلاث، إما أن يدعوه يرجع من حيث جاء، وإما أن يذهب إلى ثغر من الثغور فيقاتل فيه، أو يتركوه حتى يذهب إلى يزيد بن معاوية فيضع يده في يده، فيحكم فيه بما شاء”، ومن كلام الحسين نفسه نفهم أنه كان لا يرى في يزيد ذلك الحاكم الظالم الذي لا تجوز إمارته، وإلا كيف كان سيقاتل في الثغور في جيش المسلمين الذي كان سيكون تحت راية الخليفة يزيد؟ وكيف كان سيرضى الذهاب إلى يزيد ليضع يده بيده وليقبل حكمه فيه؟ لذلك فإن تصوير يزيد بالصورة البشعة التي يراد نشرها بين المسلمين به طعن في الحسين نفسه الذي أراد الذهاب إليه ليضع يده في يده، فهل كان الحسين رضي الله عنه سيضع يده في يد حاكم ظالم؟! تحرك الحسين إلى العراق كان لاعتقاده بأن أهل الكوفة قد بايعوه كخليفة للمسلمين، قبل أن يكتشف خيانتهم، ويقرر الرجوع من حيث أتى، إلا أن الأمور لم تجرِ للأسف كما أراد، كما سنرى لاحقًا.
بنو هاشم وبنو أمية أبناء عمومة: من الروايات المكذوبة أن ما جرى في أمر الحسين إنما كان انتقامًا للأموين من الهاشمين، والحقيقة أن هذا الادعاء ناهيك عن عدم استناده إلى روايات صحيحة، فإنه أيضًا معاكس للحقائق التاريخية، فالذي لا يعرفه الكثيرون أن الهاشميين والأمويين كانوا أبناء عمومة، وهم أقرب الناس في قريش بعضهم لبعض من ناحية النسب، فهاشم جد الهاشميين هو الأخ التوأم لعبد شمس جد الأمويين، وهذا ما يفسر علاقات القرابة والمصاهرة التي كانت بين العائلتين الكبيرتين، وحرص الأمويين على إكرام الهاشميين.
موقف الصحابة من خروج الحسين رضي الله عنه إلى العراق: رفض جل الصحابة فكرة خروج الحسين إلى العراق، ولما علموا بخروجه إلى العراق أشفقوا عليه من ذلك، وحذروه منه، وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة له بعدم الخروج إلى العراق، وأمروه بالمقام بمكة، وذكروه بما جرى لأبيه وأخيه مع أهل الكوفة، إلا أن الحسين رضي الله عنه أبى ذلك:
عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال له لـما علم بعزمه على الخروج: لولا أن يزري بي وبك الناس لشبثت يدي في رأسك فلم أترك تذهب. وقال له أيضًا: يا ابن عم إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟ فقال: إني قد أجمعت المسير في أحد يوميّ هذين إن شاء الله تعالى. فقال له ابن عباس: أخبرني إن كان قد دعوك بعد ما قتلوا أميرهم ونفوا عدوهم وضبطوا بلادهم فسر إليهم، وإن كان أميرهم حي وهو مقيم عليهم، قاهر لهم، وعماله تجبي بلادهم، فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال، ولا آمن عليك أن يستفزوا عليك الناس ويقلبوا قلوبهم عليك، فيكون الذي دعوك أشد الناس عليك. ثم جاء ابن عباس إلى الحسين مرة أخرى فقال له: يا ابن عم! إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل العراق قوم غدر فلا تغترن بهم، أقم في هذا البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم ثم أقدم عليهم، وإلا فسر إلى اليمن فإن به حصونًا وشعابًا، ولأبيك به شيعة، وكن عن الناس في معزل، واكتب إليهم وبث دعاتك فيهم، فإني أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب. وورد عنه أنه قال للحسين أيضًا: وأين تريد يا ابن فاطمة؟ فقال الحسين: العراق وشيعتي. فقال ابن عباس: إني لكاره لوجهك هذا تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتى تركهم سخطة وملالة لهم؟ أذكرك الله أن تغرر بنفسك.
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كان عبد الله بن عمر رضي الله عنه بمكة، فبلغه أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق، فلحقه على مسيرة ثلاث ليالٍ، فقال: أين تريد؟ قال: العراق، وإذا معه طوامير وكتب، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم. فقال ابن عمر: لا تأتهم، فأبى الحسين ذلك. فقال ابن عمر: إني محدثك حديثًا، إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخيره بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما يليها أحد منكم أبدًا، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فأبى الحسين أن يرجع. فاعتنقه ابن عمر وبكى قال: أستودعك الله من قتيل!
عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: الحسين أنه قال لعبد الله بن الزبير: أتتني بيعة أربعين ألفا يحلفون بالطلاق والعتاق إنهم معي. فقال له ابن الزبير: أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك؟!
أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: قال للحسين رضي الله عنه: يا أبا عبد الله، إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم، وملوني وأبغضوني، وما يكون منهم وفاء قط، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم نيات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف.
جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: قال: كلمت حسينًا فقلت: اتق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فوالله ما حمدتم ما صنعتم، فعصاني.
سعيد بن المسيب: لو أن حسينًا لم يخرج لكان خيرًا له.
أبو سلمة بن عبد الرحمن: وقد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم، ولكن شجعه على ذلك ابن الزبير.
عمرة بنت عبد الرحمن: كتبت إلى الحسين تعظم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره أنه إن لم يفعل إنما يساق إلى مصرعه.
أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: وهو تابعي وأحد فقهاء المدينة السبعة، قال للحسين: يا ابن عم قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك، وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فأذكرك الله في نفسك. فقال الحسين: جزاك الله يا ابن عم خيرا، مهما يقضي الله من أمر يكن. فقال أبو بكر: إنا لله وإنا إليه راجعون، نحتسب أباه عبد الله عند
المسور بن مخرمة رضي الله عنهما: كتب إلى الحسين: إياك أن تغتر بكتب أهل العراق وبقول ابن الزبير: الحق بهم فإنهم ناصروك.
أبو واقد الليثي رضي الله عنه: ورد عنه أنه قال: بلغني خروج الحسين بن علي فأدركته بملل، فناشدته الله أن لا يخرج فإنه يخرج في غير وجه خروج، إنما خرج يقتل نفسه. فقال: لا أرجع.
الشاعر الفرزدق: لقي الفرزدق الحسين في طريقه إلى العراق، فسأله الحسين: من أين؟ فقال: من العراق. فقال الحسين: كيف حال أهل العراق؟ قال الفرزدق: قلوبهم معك، وسيوفهم مع بني أمية. فقال الحسين: الله الـمستعان.
ما صح عن يزيد بن معاوية: وردت في حق يزيد روايات كثيرة تطعن في دينه وأخلاقه، هذه الروايات كلها غير صحيحة من ناحية السند، بل إن الحسين رضي الله عنه نفسه لم يذكرها في سبب خروجه إلى العراق، وقد ذكر المؤرخ الكبير الحافظ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: “وقد أورد ابن عساكر أحاديث في ذم يزيد بن معاوية كلها موضوعة لا يصح شيء منها، وأجود ما ورد ما ذكرناه على ضعف أسانيده وانقطاع بعضه والله أعلم”. ومن الصفات الحميدة التي كانت في يزيد ذكر ابن كثير: “وقد كان يزيد فيه خصال محمودة من الكرم، والحلم، والفصاحة، والشعر، والشجاعة، وحسن الرأي في الملك، وكان ذا جمال وحسن معاشرة”. وحتى شيخ الإسلام ابن تيمية، والمشهور عنه بأنه لم يكن من محبي يزيد بن معاوية، قال عن يزيد: “ولا كان كافرًا ولا زنديقًا، وتولى بعد أبيه على كراهة من بعض المسلمين ورضا من بعضهم، وكان فيه شجاعة وكرم، ولم يكن مظهرًا للفواحش كما يحكي عنه خصومه”. بينما يقول عنه الإمام الغزالي: ” بل إن يزيد بن معاوية مدحه عدد من أهل البيت أنفسهم، منهم محمد بن علي بن أبي طالب المشهور بمحمد بن الحنفية وهو أخو الحسين من أبيه، فقد قال محمد بن علي بن أبي طالب عن يزيد فيما أورده الإمام تاريخ الطبري: “وقد حضرته وأقمت عنده فرأيتهُ مواظبًا على الصلاة، مُتَحَرِياً الخير، يسأل عن الفقه، مُلازماً للسنة”، وقصة هذا القول لابن الحنفية كما يرويها ابن كثير: بأن عبد الله بن مطيع – وكان داعية لابن الزبير – مشى من المدينة هو و أصحابه إلى محمد ابن الحنفية فأرادوه على خلع يزيد، فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر و يترك الصلاة و يتعدى حكم الكتاب، فقال محمد ما رأيت منه ما تذكرون، قد حضرته و أقمت عنده فرأيته مواظبًا على الصلاة متحريًا للخير يسأل عن الفقه ملازمًا للسنة، قالوا : ذلك كان منه تصنعًا لك، قال: و ما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إليّ الخشوع؟ ثم أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك فإنكم لشركاؤه، و إن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا، قالوا: إنه عندنا لحق و إن لم نكن رأيناه، فقال لهم : أبى الله ذلك على أهل الشهادة، و لست من أمركم في شيء. بينما ورد بأن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال ليزيد: ” بأبي أنت وأمي… والله لا أجمع أبوي لأحد بعدك”، وقد كان عبد الله بن جعفر يقول عند ذكر يزيد: “أتلومونني على حسن الرأي في هذا؟!”. وقد ثبت تاريخيًا أن يزيد بن معاوية كان قائد أول جيش إسلامي في التاريخ يغزو عاصمة الإمبراطورية الرومانية القسطنطينية، وقد ورد حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور”، وهذا الجيش الذي نال هذه المنقبة كان بقيادة يزيد بن معاوية، وقد رضي عدد من كبار الصحابة أن يكونوا تحت إمرته ضمن أفراد ذلك الجيش. وقد ثبت أيضًا أن معاوية بن أبي سفيان بعث ابنه يزيد إلى البادية في صغره ليتعلم فيها الشدة واللسان العربي الصحيح، وقد أظهر في كبره صفات قيادية جعلت معاوية يرى بحكم تجربته السياسية الطويلة أنه الأنسب للحكم بعده، بحكم إقامة يزيد في العاصمة دمشق، وقربه من مركز اتخاذ القرارات، وقيادته العسكرية المتميزة لجيوش المسلمين في عهد أبيه، وعلاقته بالأمراء والقيادات العسكرية، وحب أهل الشام له، ومعرفته بدهاليز السياسية الخفية التي لا يخلو أي حكم منها، وغير ذلك من الصفات والظروف المساعدة التي ربما أدت لهذا الاختيار، فالأمر لم يكن توريثًا للحكم كما يعتقد البعض، فليس هناك مانع شرعي أن يكون يتولى ابن الحاكم قيادة المسلمين بعد أبيه شريطة قبول الناس له وتوفره على صفات قيادية، والدليل أن أول حاكم مسلم تولى الحكم بعد أبيه هو خامس الخلفاء الراشدين الحسن بن علي رضي الله عنهما، وذلك بعد أن بايعه المسلمون في الكوفة، والحسن كان جديرًا بذلك المنصب، وعندما علم علي بن أبي طالب وهو على فراش موته في أن الناس تريد اختيار ابنه الحسن ليخلفه لم يمنعهم من ذلك، ولو كان علي يرى في ذلك مانعًا شرعيًا لما قبله دون أدنى شك، بل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما طلب منه المسلمون على وهو على فراش الموت أن يوصي بالأمر بعد إلى ابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، لم يقل عمر أن هذا أمر لا يجوز شرعًا، بل قال: “يكفي أن يشقى بهذا الأمر واحدٌ من آل الخطاب”. ويزيد بن معاوية لم يفرضه أبوه على الناس كما يريد البعض تصويره، بل تم ترشيحه ومن ثم مبايعته من جمهور الصحابة والتابعين الذين عاشوا في ذلك الوقت، الذين لا شك أنهم كانوا سيمتنعون عن بيعته لو رأوا عدم جدارته بذلك المنصب، والطعن في اختياره يعتبر طعنًا في اختيار جيل الصحابة والتابعين الذين بايعوه، وقد شرح ذلك ابن خلدون في المقدمة: “والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه، إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه – وحينئذ من بني أمية – وإن كان لا يظن بمعاوية غير هذا، فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور أكابر الصحابة لذلك، وسكوتهم عنه، دليل على انتفاء الريب منه، فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم – كلهم – أجلّ من ذلك، وعدالتهم مانعة منه”. فأمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما خاف على تفرق كلمة المسلمين من بعده، وعودة الخلاف مرة أخرى بين المسلمين، وقد رأى معاوية خطورة هذا الأمر في أحداث الفتنة التي سالت خلالها شلالات من دماء المسلمين، لذلك اجتهد رضي الله عنه ورشح خليفة له من بعده، ليتم اختياره من الغالبية العظمى للشعب، وفي أيد هذه الخطوة مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون، والإمام ابن العربي في كتابه العواصم من القواصم، وقد علق لأستاذ محب الدين الخطيب حول اختيار يزيد: “إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لم يبلغه في تاريخ الإسلام ولا عمر بن عبد العزيز، و إن طمعنا بالمستحيل و قدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر و عمر آخر، فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر و عمر، و إن كان مقياس الأهلية الاستقامة في السيرة، و القيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، و العدل في الناس، و النظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، وتوسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم و جماعاتهم، فإن يزيد يوم تُمحّص أخباره، و يقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم، و أجزل الثناء عليهم” حاشية العواصم من القواصم لابن العربي.
وفي نهاية هذا الحديث نذكر بما قاله شيخ الإسلام أحمد بن تيمية: “من قتل الحسين أو أعان على قتله أو رضي بذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا”. وإنا نبرأ إلى الله من كل مجرم ساهم لو بجزء بسيط في قتل الشهيد البطل الحسين رضي الله عنه، أو رضي بذلك.
وفي الختام فإن قصة الحسين واستشهاده رحمه الله كانت من أكثر القصص التي كانت مجهولة بالنسبة لي على الصعيد الشخصي، وللأسف لم أكن أجد من معلمي التاريخ أثناء المرحلة الدراسية من يشرحها لي بتفاصيلها وخلفياتها التاريخية، لذلك استغرق طريق الوصول إلى حقيقة قصة استشهاد الحسين رضي الله عنه سنوات طويلة، حتى توصلت في نهاية الأمر إلى هذه السطور التي اجتهدت في تقديمها في هذا الكتاب، لعلها تكون سببا في الوصول إلى السلام الداخلي لكل من كان يبحث عن الحقيقة التي أخفاها عنا غزاة التاريخ، الذين أرادوا لنا أن نبقى أمة متناحرة مفرقة بزرعم لقصص وهمية تبث الكراهية والحقد في نفوس الأجيال المتعاقبة.
رحم الله سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين رضي الله عنهما وعن أبيهما وأمهما، وجمعنا الله بهم في الجنة، في حضرة سيد العالمين محمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع آله الطيبين الطاهرين وجميع صحابته العظام المرضيين.
من كتاب مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

عن admin

شاهد أيضاً

الخير يضيف إلى معنى الحياة

كيف عمل فديو الجديد علي الفيس بوك الخير يضيف إلى معنى الحياة

الفيس بوك يقوم دائما بانتاج اشياء جديده وفي هذه المناسبه قام بانشاء فديو جيد لتذكر ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *